أحمد مصطفى المراغي

98

تفسير المراغي

بطش الجبارين كقوم هود ، ولا يذلّون لمتكبر جبار كقوم فرعون ولا يرتكبون الفواحش ويقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر كقوم لوط ، بل لا بد أن يضموا إلى الشرك الإفساد في الأعمال والأحكام ، ويفعلوا الظلم المدمّر للعمران ، ومن ثم قالوا : الأمم تبقى مع الكفر ولا تبقى مع الظلم والجور ، ويؤيد هذا ما أخرجه الطبراني والديلمي وابن مردويه عن جرير بن عبد اللّه قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسأل عن تفسير هذه الآية فقال : « وأهلها ينصف بعضهم بعضا » . ( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ) أي ولو شاء ربك أيها الرسول الكريم ، الشديد الحرص على إيمان قومك ، الحزين من أجل إعراض أكثرهم عن إجابة دعوتك واتباع هديك - لجعل الناس على دين واحد بمقتضى الغريزة والفطرة لا اختيار لهم فيما يفعلون ، فكانوا في حياتهم الاجتماعية أشبه بالنمل والنحل ، وفي حياتهم الروحية أشبه بالملائكة مفطورين على طاعة اللّه واعتقاد الحق وعدم الميل إلى الزيغ والجور ، لكنه تعالى خلقهم كاسبين لا ملهمين ، وعاملين بالاختيار لا مجبورين ولا مضطرين وجعلهم متفاوتين في الاستعداد وكسب العلم ، وكانوا في أطوارهم الأولى لا اختلاف بينهم ، ثم لما كثرت وتنوعت حاجاتهم وكثرت مطالبهم ظهر فيهم الاستعداد للاختلاف كما قال تعالى : « وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا » . ( وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ) أي ولا يزالون مختلفين في شؤونهم الدنيوية والدينية بحسب استعدادهم الفطري ، إلا من رحم اللّه منهم فإنهم يتفقون على حكم كتابه فيهم وهو الذي عليه مدار جمع كلمة الأمة ووحدتها . ( وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ) أي ولمشيئته تعالى فيهم الاختلاف والتفرق في علومهم ومعارفهم وآرائهم ، وما يتبع ذلك من الإرادة والاختيار في الأعمال - خلقهم ، وبهذا كانوا خلفاء في الأرض ، ومن ذلك اختلافهم في الدين والإيمان والطاعة والعصيان ، وبذا كانوا مظهر لأسرار خلقه الروحية والجسدية أو المادية والمعنوية ، وقال ابن عباس